عرفان شیعی

عرفان اسلامی در بستر تشیع

عرفان شیعی

عرفان اسلامی در بستر تشیع

شرح القیصری علی فصوص‌الحکم (حسن‌زاده الآملی):

جلد: 1، صفحه: 392

(إلاّ أنّ‌1 بعض أهل النظر2 من أصحاب العقول الضعیفة3، یرون أنّ اللّه لمّا ثبت عندهم أنّه فعّال لما یشاء4، جوّزوا على اللّه ما یناقض الحکمة5، و ما هو6 الأمر علیه فی نفسه).

لمّا قرّر أنّ اللّه لا یعطی لأحد شیئا إلاّ ما تقتضیه حقیقته، و تطلبه من حضرته، فکان أهل الظاهر یعتقدون الحقّ «فعالا لما یشاء» فی الأزل، مع قطع النظر عن حکمته و «فعّالا لما یرید» فی الأبد، مع قطع النظر عنها و عن اقتضاء الأعیان تلک الأفعال، استثنى7 قولهم، فهو استثناء منقطع؛ و إنّما نسب عقولهم إلى الضعف لأنّهم ما شاهدوا الأمر على ما هو علیه فی نفسه، و لا اطّلعوا على سرّ القدر، و زعموا أنّ الحقّ یفعل الأفاعیل من غیر حکمة، حتّى جوّزوا علیه تعذیب من هو مستحقّ للرحمة، و تنعیم من هو مستعدّ للنقمة، تعالى عن ذلک علوا کبیرا.

و منشأ زعمهم هذا أنّهم حکموا بمفهوم المشیئة و إثباتها له تعالى، و ما عرفوا أنّ المشیئة متعلّقة بالفیض الأقدس، کما قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلىٰ رَبِّکَ کَیْفَ مَدَّ اَلظِّلَّ‌ أی:

الوجود الخارجی وَ لَوْ شٰاءَ لَجَعَلَهُ سٰاکِناً8 أی: منقطعا متناهیا، و الإرادة متعلّقة بالفیض المقدّس، کما قال تعالى: إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَیْئاً أَنْ یَقُولَ لَهُ کُنْ فَیَکُونُ‌9.

فالإرادة متعلّقة بایجاد الممکنات، بخلاف المشیئة فإنّها متعلّقة بإفاضة الأعیان، لکن بحسب ما تقتضی حکمته و أسماؤه و صفاته، لا مطلقا، قال تعالى:

________________________________________

(1) . استثناء منقطع من الذین یعرفون استعدادهم مجملا و إلاّ بمعنى لکن (ق).

(2) . یشیر (رض) إلى جمع کثیر من النظّار و علماء الرسوم و المتکلّمین القائلین بأنّ اللّه قد یفعل ما یناقض الحکمة، کإیجاد الشریک و المثل و إعدام الوجود و إیجاد العدم و الممتنع و المحال، و استدلّوا على ذلک بکونه تعالى قادرا على کل شیء (مؤید الدین).

(3) . الذین لا تتعدّى عقولهم بالنظر على إدراک الحقائق على ما هی علیه (جامی).

(4) . و زعموا أنّ مشیئته یمکن أن تتعلّق بکلّ ما هو ممکن فی نفسه (جامی).

(5) . الإلهیة لا العرفیة (مؤید الدین).

(6) . نافیة.

(7) . جواب «لمّا».

(8) . الفرقان (25):45.

(9) . یس (36):82.

جلد: 1، صفحه: 393

فَلَوْ شٰاءَ لَهَدٰاکُمْ أَجْمَعِینَ‌1، لکنّه لم یشأ لحکمة اقتضت عدم مشیئته لذلک عبّروا عنها بالعنایة الإلهیّة الأزلیّة، و الإرادة تتعلّق بالأعیان بحسب استعداداتها و قبولها للمعنى المراد.

فالحقّ و إن کان «فعالا لما یشاء» لکنّ مشیئته بحسب حکمته، و من حکمته أن لا یفعل إلاّ بحسب استعداد الأشیاء، فلا یرحم موضع الانتقام، و لا ینتقم موضع الرحمة، و ما جاء فی الأخبار أنّه تعالى یرحم بالفضل، و ینتقم بالعدل، و یشفع «أرحم الراحمین» عند المنتقم، فذلک أیضا راجع إلى استعداد العبد و استحقاقه المخفی فی عینه، لا یطّلع علیه غیر اللّه تعالى.

(و لهذا2 عدل بعض النّظّار3 إلى نفی الامکان، و إثبات الوجوب بالذات و بالغیر4).

أی، لمّا جوّزوا على اللّه ما یناقض الحکمة، و ما عرفوا أنّ للحقّ أفعالا بحسب مراتبه، و لا عرفوا تلک المراتب، عدل بعضهم إلى نفی مرتبة الامکان، و إثبات الوجوب بالذات و بالغیر فقط.

(و المحقّق5 یثبت الامکان و یعرف حضرته6، و الممکن7، و ما هو الممکن8)؟

________________________________________

(1) . الأنعام (6):149.

(2) . أی لضعف ما یراه هذا البعض و تجویزهم على الله سبحانه ما یناقض الحکمة (جامی).

(3) . أی عدل بعض النظّار إلى نفی الإمکان؛ فإنّ منشأ ما ذهبوا إلیه أنّما هو إمکان ما یناقض الحکمة، فلمّا ظهر على بعض النظّار فساد مذهبهم نفوا ما هو منشؤه، فذهبوا إلى نفی الإمکان (جامی).

(4) . و قال: ما ثمّ إلاّ واجب الوجود، و الممتنع ممتنع وجوده، و لکن الواجب، واجبان: واجب بالذات و واجب بالغیر، فما فی الوجود إلاّ واجب الوجود فانتفى الجواز و الإمکان عنده، فما کان واجبا بالذت فواجب له عدم الامتناع، و ما کان واجبا بالغیر فی زعمه وجب له عدم الامتناع کذلک. (مؤید الدین).

(5) . و المحقّق من هذه الطائفة یثبت الإمکان الذی هو تساوی نسبة صور معلومیات الأشیاء إلى الظهور و عدمه فی العین، و لا ینفیه مطلقا کالفرقة الثانیة من أهل النظر (جامی).

(6) . أی حضرة الإمکان و مرتبته، و أنّه فی أیّ حضرة تعرض الأشیاء و هی الحضرة العلمیة؛ فإنّ العقل إذا لاحظ الأشیاء من حیث أنفسها مع قطع النظر عن أسبابها و شرائطها یتساوى عنده وجودها و عدمها، و إذا لاحظها مع أسبابها و شرائطها حکم بوجوب وجودها، فلا یثبت الإمکان مطلقا کالفرقة الأولى من أهل النظر (جامی).

(7) . أی و یعرف الممکن (جامی).

(8) . و هو الوجود المتعیّن، فإنّه من حیث تعیّنه ممکن و إن کان بحسب الحقیقة واجبا (جامی).

جلد: 1، صفحه: 394

و فی بعض النسخ: (الممکن ما هو الممکن) مع عدم الواو، أی: یعرف أنّ الممکن ما هو بحسب الحقیقة، فقوله: (ما هو الممکن) بدل، أو عطف بیان لقوله: (و الممکن).

(و من1 أین هو ممکن2، و هو3 بعینه واجب بالغیر)؟

(و من4 أین صحّ علیه اسم الغیر، الّذی اقتضى له5 الوجوب)؟

(و لا یعلم هذا التفصیل6 إلاّ العلماء باللّه خاصّة).

قد مرّ7 أنّ الوجوب و الامکان و الامتناع حضرات و مراتب معقولة کلّها فی نفسها، غیر موجودة و لا معدومة کباقی الحقائق8، نظرا إلى ذواتها المعقولة، لکنّ الحقائق لا تخلو عن الاتّصاف إمّا بالوجود أو بالعدم، بخلاف هذه الحضرات الثلاث فإنّها باقیة على حالها9، لا تتصف بالوجود و لا بالعدم أبدا ألبتة، و قد جعلها الحقّ‌

________________________________________

(1) . أی و یعرف أیضا من أین هو ممکن.

(2) . أی من أیّة نسبة إلهیة انتسبت صفة الإمکان، و هی نسبة تقدّسه سبحانه عن التقیّد بالصفات المتقابلة، کالظهور و البطون و الأولیة و الآخریّة و غیرها، أو من أیّ اعتبار و حیثیّة هو ممکن، و هو اعتباره من حیث نفسه من غیر ملاحظة أسبابه و شرائطه (جامی).

(3) . أی الممکن بعینه واجب بالغیر، لکن من حیث النظر إلى أسباب وجوده و شرائطه (جامی).

(4) . أی و یعرف أیضا أنّه من أین صحّ علیه - أی على الغیر مع وحدة الوجود - اسم الغیر (جامی).

(5) . أی للممکن (جامی).

(6) . علم شهود محقّق، إلاّ العلماء باللّه و مراتبه خاصّة؛ فإنّهم یعلمون أنّ الوجود الحقّ من حیث ذاته واجب، و من حیث تعیّناته فی الحضرة العلمیة ممکن، تتساوى نسبة هذه التعیّنات العلمیّة إلى الظهور فی العین و عدم الظهور فیه إذا لو حظت من حیث أنفسها، کتساوی نسبته سبحانه من حیث ذاته المطلقة إلى الصفات المتقابلة، و إذا لو حظت من حیث أسباب ظهورها و شرائطه فهی واجبة بها، و هذه التعیّنات یغایر بعضها بعضا من حیث خصوصیاتها و إن اتّحد الکلّ من حیث حقیقة الوجود. و أمّا مغایرتها للوجود الحقّ المطلق فمن حیث إنّ کلاّ منها تعیّن مخصوص للوجود الواحد تغایر الآخر بخصوصه، و الوجود الحق المطلق لا یغایر الکلّ و لا یغایر البعض؛ لکون کلیة الکلّ و جزئیة الجزء نسبا ذاتیة له، فهو لا ینحصر فی الجزء و لا فی الکلّ مع کونه فیهما عینهما (جامی).

(7) . راجع فی ذلک ص 106-262.

(8) . أی الماهیات؛ فإنّها فی مرتبة ذاتها لیست موجودة و لا معدومة.

(9) . أی تکون أمورا اعتباریة لا یکون لها ما یحاذی بها، بخلاف الماهیات و الحقائق؛ فإنّها تکون موجودة فی الخارج بسبب الموجد و یکون لها ما یحاذی بها.

جلد: 1، صفحه: 395

صفة عامّة شاملة لباقی الحقائق فإنّ الوجوب صفة شاملة لذات الحقّ و للممکنات الموجودة، لکنّه على سبیل التفاوت، فإنّه فی الواجب الوجوب بالذات و فی الممکنات بالغیر.

و الامکان صفة شاملة لجمیع الممکنات، و الامتناع صفة شاملة للممتنعات، و إنّ هذه الحضرات هی خزائن مفاتیح غیبه.

فحضرة «الامکان» خزینة یطلب ما فیها من الأعیان الثابتة الخروج من الوجود العلمی إلى الوجود العینی؛ لتکون محلّ ولایة الأسماء الحسنى، و هی الممکنات.

و حضرة «الامتناع»1 خزینة یطلب ما فیها من الأعیان البقاء فی غیب الحقّ و علمه، و عدم الظهور بالوجود الخارجیّ‌، و لیس للاسم «الظاهر» علیها سبیل، و هی الممتنعات.

و حضرة «الوجوب» خزینة یطلب ما فیها الاتصاف بالوجود العلمی و العینی أزلا و أبدا، و هو الواجب بالذات و بالغیر.

و الممکنات2 کلّها شؤون الحقّ فی غیب ذاته و أسمائه، و وقع اسم الغیر علیها بواسطة التعیّن و الاحتیاج إلى من یوجدها فی العین، و بعد اتصافه بالوجود العینی صار واجبا بالغیر لا ینعدم أبدا، بل یتغیّر و یتبدّل بحسب عوالمه و طریان الصور علیه، فظهر الفرق من هذا التحقیق بین الوجوب بالغیر، و بین الامکان؛ إذ الوجوب بالغیر بعد الاتصاف بالوجود العینی، و الامکان ثابت قبله و بعده، و لا یعلم هذا التفصیل یقینا إلاّ من انکشف له الحقّ‌، و عرف مراتب الوجود، و هم العلماء باللّه خاصّة.

و من عرف ما حقّقته و أشرت به إلیه، یجد فی قلبه أسرارا یملأ العوالم ظهورها

________________________________________

(1) . مراده من هذا الامتناع غیر الامتناع المعروف بین الحکماء، کشریک الباری مثلا، بل ما لا یکون له مظهر فی الخارج کما قال فی المقدمات.

(2) . أی المبهمات.

جلد: 1، صفحه: 396

أنوارا، و من لم یف استعداده بإدراک الحقّ فهو معذور وَ مَنْ لَمْ یَجْعَلِ اَللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ1.

________________________________________

(1) . النور (24):40.