شرح القیصری علی فصوصالحکم (حسنزاده الآملی):
جلد: 1، صفحه: 173
شرح مقدّمة الماتن
«ربّ أعن و تمّم بخیر»
الحمد للّه ربّ العالمین، و الصلاة على نبیّه محمّد و اله أجمعین.
قول الشیخ - رضى اللّه عنه -: (الحمد للّه1 منزّل الحکم2 على قلوب الکلم).
شروع فیما یجب على جمیع العباد من الحمد للّه و الثناء علیه، و لذلک صدّر الحقّ تعالى کتابه العزیز بقوله اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِینَ * 3تعلیما للعباد، و تفهیما لهم طریق الرشاد، و لمّا کان الحمد و الثناء مترتّبا على الکمال، و لا کمال إلاّ للّه و من اللّه، کان الحمد للّه4 خاصّة، و هو قولیّ، و فعلیّ، و حالیّ.
________________________________________
(1) . حمد اللّه على ما أنعم به من معرفة الحکم المنزلة على قلوب أنبیائه، التی بیّنها و فصّلها فی فصوص کتابه؛ فلذلک وصفه بما دلّ على مقصده، مراعاة لبراعة الاستهلال، و هو قوله: منزّل الحکم على قلوب الکلم (المولى عبد الرزاق).
(2) . إشارة إلى ما هو بصدد تحقیقه إجمالا على ما هو دأب أئمة التألیف و أدبهم، و المراد من الکلم هو الکمّل من الأنبیاء کما لا یخفى على الواقف على مصطلحاتهم. صائن الدین قوله: «الکلم» مستعارة لذوات الأنبیاء و الأرواح المجرّدة عن عالم الجبروت المسمّى باصطلاح الإشراقیّین الأنوار القاهرة، إمّا لأنّهم وسائط بین الحقّ و الخلق لتصل بتوسّطهم المعانی التی فی ذاته تعالى إلیهم، کالکلمات المتوسّطة بین المتکلّم و السامع لإفادة المعنى الذی فی نفس المتکلّم للسامع، أو لتجرّدها عن الموادّ و تعیّنها بالإبداع و تقدّسها عن الزمان و المکان الموجودة بکلمة «کن» فی عالم الأمر، إطلاقا لاسم السبب على المسبّب عبد الرزاق.
(3) . الفاتحة (1):2.
(4) . فالألف و اللام للاستغراق و اللام للاختصاص.
جلد: 1، صفحه: 174
أمّا القولیّ: فحمد اللّسان و ثناؤه علیه بما أثنى به الحقّ على نفسه على لسان الأنبیاء علیهم السّلام.
و أمّا الفعلیّ: فهو الإتیان بالأعمال البدنیّة من العبادات و الخیرات؛ ابتغاء لوجه اللّه تعالى، و توجّها إلى جنابه الکریم؛ لأنّ الحمد کما یجب على الإنسان باللّسان کذلک، یجب علیه بحسب کلّ عضو، بل على کلّ عضو کالشکر1، و عند کلّ حال من الأحوال، کما قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله: «الحمد للّه على کلّ حال»2.
و ذلک لا یمکن إلاّ باستعمال کلّ عضو فیما خلق لأجله على الوجه المشروع، عبادة للحقّ تعالى، و انقیادا لأمره، لا طلبا لحظوظ النفس و مرضاتها.
و أمّا الحالیّ3: فهو الذی یکون بحسب الروح و القلب، کالاتصاف بالکمالات العلمیّة، و العملیّة، و التخلّق بالأخلاق الإلهیّة؛ لأنّ الناس مأمورون بالتخلّق بلسان الأنبیاء - صلوات اللّه علیهم - لتصیر الکمالات ملکة نفوسهم و ذواتهم.
و بالحقیقة: هذا حمد الحقّ أیضا نفسه فی مقامه التفصیلیّ، المسمّى ب «المظاهر» من حیث عدم مغایرتها له4.
________________________________________
(1) . اعلم أنّ الحمد هو الثناء بالجمیل على قصد التعظیم و التجلیل للممدوح، سواء لنعمة أو لغیرها، و الشکر فعل ینبئ عن تعظیم المنعم، لکونه منعما سواء کان باللسان أو بالجنان أو بالأرکان.
فالحمد أعمّ من جهة المتعلّق، و أخصّ من جهة المورد، و الشکر بالعکس.
(2) . بحار الأنوار ج 71 ص 33 ح 14.
(3) . قال السید المحقّق الداماد «ره» فی القبسات: «أفضل مقامک فی الحمد أن تجعل قسطک من حمدک لبارئک قصیا مرتبتک الممکنة من الاتّصاف بکمالات الوجود، کالعلم و الحکمة و الجود و العدل مثلا، فیکون جوهر ذاتک حینئذ أجمل الحمد لبارئک الوهّاب سبحانه. فإنّک إذن تنطق بلسانک الحال کلّ صفة من تلک الصفات أنّها فیک ظلّ صفته و فیض جوده و صنع هبة ذاته جلّ سلطانه، بحیث نفس ذاته فی تلک الصفة على أقصى المراتب الکمالیّة فقد ذکرنا فی سدرة المنتهى.
و فی المعلّقات على زبور آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله: «أنّ الحمد فی قوله تعالى کبریاؤه: «الحمد للّه ربّ العالمین» هو ذات کلّ موجود بما هو موجود، و هویة کلّ جوهر عقلی بحسب مرتبته فی الوجود و قسطه من صفات الکمال؛ و لذلک کان عالم الأمر، و هو عالم الجواهر المفارقة عالم الحمد و عالم التسبیح و التمجید و منه فی القرآن الحکیم له الملک و له الحمد» انتهى کلامه رفع مقامه.
(4) . أی عدم مغایرة المظاهر للحقّ؛ لأنّ المظاهر مراتب للحقّ، فالحامد مرتبة منه و المحمود مرتبة أخرى منه.
جلد: 1، صفحه: 175
و أمّا حمده ذاته فی مقامه الجمعیّ الإلهیّ قولا، فهو ما نطق به فی کتبه و صحفه؛ من تعریفاته نفسه بالصفات الکمالیّة.
و فعلا فهو إظهار کمالاته الجمالیّة و الجلالیّة من غیبه إلى شهادته، و من باطنه إلى ظاهره، و من علمه إلى عینه فی مجالی صفاته، و محال ولایات أسمائه.
و حالا، فهو تجلّیاته فی ذاته بالفیض الأقدس الأوّل، و ظهور النور الأزلیّ، فهو الحامد و المحمود جمعا و تفصیلا، کما قیل:
لقد کنت دهرا قبل أن یکشف الغطا أخالک أنّی ذاکر لک شاکر
فلمّا أضاء اللّیل، أصبحت شاهدا بأنّک مذکور، و ذکر، و ذاکر و کلّ حامد بالحمد القولیّ، یعرّف محموده بإسناد صفات الکمال إلیه، فهو یستلزم التعریف.
و ذکر الشیخ الإسم «اللّه» لأنّه اسم للذّات من حیث «هی هی» باعتبار، و اسمها من حیث إحاطتها لجمیع الأسماء و الصفات باعتبار آخر، و هو اتصافها بالمرتبة الإلهیّة، فهو أعظم الأسماء و أشرفها.
و الحمد المناسب1 لهذه الحضرة - بعد حمد اللّه ذاته بذاته - هو الذی یصدر من الإنسان الکامل المکمّل، الذی له مقام الخلافة العظمى؛ لأنّه حینئذ یکون منها و لها؛ إذ الکامل مرآة تلک الحضرة و مظهرها.
و قوله: (منزّل الحکم) بفتح النون من التنزیل، أو بإسکانه من الإنزال، و الأوّل أولى؛ لأنّه أنّما یکون على سبیل التدریج2 و التفصیل، بخلاف الإنزال، و الأنبیاء علیهم السّلام و إن کان نزول الحکم على کتاب استعداداتهم دفعة واحدة، لکن ظهورها بالفعل لا یمکن إلاّ على سبیل التدریج.
و الإنزال و التنزیل کلاهما یستدعیان العلو و السفل، و لا یتصوّر هنا العلوّ المکانیّ
________________________________________
(1) . و بتلک الإشارة یوضّح لک معنى روایات لواء الحمد، و سرّ کون لواء الحمد فی ید الخاتم صلّى اللّه علیه و آله، و کونه حامله، فافهم.
(2) . لأنّ القلب مقام التفصیل فیناسب النزول تدریجا: الأستاذ الفاضل التونی (رضوان اللّه تعالى علیه).
جلد: 1، صفحه: 176
لأنّه منزّه عن المکان، فتعیّن علوّ المکانة و المرتبة، و أوّل مراتب العلوّ مرتبة الذات، ثمّ مرتبة الأسماء و الصفات، ثمّ مرتبة الموجود الأوّل فالأوّل1 بحسب الصفوف إلى آخر مراتب عالم الأرواح، ثمّ مراتب السفل من هیولى عالم الأجسام إلى آخر مراتب الوجود.
و لکلّ من مراتب العلوّ سفل باعتبار ما فوقه، و لمراتب السفل علوّ باعتبار ما بعدها، إلاّ السفل المطلق.
و قوله: (على قلوب الکلم) و تخصیصه بالقلب، یؤیّد ما ذهبنا إلیه، فإنّ العلوم و المعارف الفائضة على الروح، لا تکون إلاّ على سبیل الإجمال، و فی المقام القلبیّ تتفصّل و تتعین کالعلوم الفائضة على العقل الأوّل إجمالا، ثمّ على النفس الکلیّة تفصیلا.
و لذلک جعل مظهر العرش الروحانیّ2 الذی هو العقل الأوّل فی عالم الملک، فلکا غیر مکوکبا و هو الفلک الأطلس و مظهر الکرسیّ الروحیّ الذی هو النفس الکلّیة، فلکا مکوکبا، متفاوتا فی الصغر و الکبر، و الظهور و الخفاء، و هو فلک الثوابت؛ لیستدلّ بالمظاهر على الظواهر، کما قال تعالى: إِنَّ فِی خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاٰفِ اَللَّیْلِ وَ اَلنَّهٰارِ لَآیٰاتٍ لِأُولِی اَلْأَلْبٰابِ3.
و إنّما قال: (الحکم)، و لم یقل: المعارف و العلوم؛ لأنّهم علیهم السّلام مظاهر الاسم (الحکیم)، إذ الحکمة هی العلم بحقائق الأشیاء على ما هی علیه و العمل بمقتضاه، و لذلک انقسمت الحکمة إلى العلمیّة و العملیّة، و المعرفة هی إدراک الحقائق على ما هی علیه، و العلم إدراک الحقائق و لوازمها4، و لذلک5 یسمّى التصدیق «علما» و التصوّر «معرفة» کما قاله الشیخ ابن الحاجب فی اصوله.
________________________________________
(1) . أی بعد ذلک الأوّل الذی بعد ذلک الأوّل.
(2) . خ ل: الرحمانی.
(3) . آل عمران (3):190.
(4) . أی المعرفة و العلم لا یؤخذ فیهما العمل، بل محض الإدراک و الحکمة مأخوذ فیها العمل أیضا.
(5) . أی لأخذ اللوازم فی العلم دون أخذها فی المعرفة.
جلد: 1، صفحه: 177
و أیضا: المعرفة مسبوقة بنسیان حاصل بعد العلم، بخلاف العلم، لذلک یسمّى الحقّ ب «العالم» دون العارف، فلمّا کان العلم و العمل به أتمّ من کلّ منهما - أی من العلم و المعرفة - جعلهم الحقّ مظاهر للأسم «الحکیم» عنایة علیهم و لاقتضاء مرتبتهم ذلک، و لکون کلّ نبیّ مختصّا بحکمة خاصّة مودعة فی قلبه، و هو مظهر لها جمع1، فقال: (منزّل الحکم على قلوب الکلم).
و قد مرّ تحقیق القلب فی المبادئ، و المراد بالکلم هنا أعیان الأنبیاء علیهم السّلام لذلک أضاف إلیها القلوب2، و قد یراد بها3 الأرواح، کما قال تعالى: إِلَیْهِ یَصْعَدُ اَلْکَلِمُ اَلطَّیِّبُ4 أی الأرواح الکاملة5، و یسمّى عیسى علیه السّلام «کلمة» فی مواضع من القرآن، مع أنّ جمیع الموجودات کلمات اللّه6، و إلیه الإشارة بقوله تعالى: قُلْ لَوْ کٰانَ اَلْبَحْرُ مِدٰاداً لِکَلِمٰاتِ رَبِّی لَنَفِدَ اَلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ کَلِمٰاتُ رَبِّی وَ لَوْ جِئْنٰا بِمِثْلِهِ مَدَداً7.
و لکون8 صدور الأشیاء من المرتبة العمائیّة - التی أشار إلیها النبیّ صلّى اللّه علیه و آله عند سؤال الأعرابیّ عنه: أین کان ربّنا قبل أن یخلق الخلق؟ بقوله: «کان فی عماء ما فوقه هواء و لا تحته هواء»9 أی فی مرتبة لا تعیّن لها، و لا اسم، و لا نعت، فتعمى عنها الأبصار و الفهوم بواسطة10 النفس الرحمانیّ، و هو انبساط الوجود و امتداده، و الأعیان الموجودة عبارة عن التعیّنات الواقعة فی ذلک النفس الوجودیّ، سمّیت الأعیان «کلمات» تشبیها بالکلمات اللّفظیة الواقعة على النفس الإنسانیّ بحسب المخارج.
________________________________________
(1) . أی جمع الحکمة. و قال الحکم.
(2) . و إلاّ إضافة القلب إلى الحکم المصطلح لا معنى له.
(3) . أی بالکلم.
(4) . فاطر (35):10.
(5) . راجع الأسفار ج 1، - نفحة 4 نفحات قونوى ص 18 ط 1، النکتة 251 من هزار و یک نکته.
(6) . فالمراد بالکلمة: الروح.
(7) . الکهف (18):109.
(8) . و لکون صدور الأشیاء علّة لإطلاق الکلم على الأعیان، و معلّله هو قوله «سمّیت الأعیان کلمات».
(9) . سنن ابن ماجه باب 13 من المقدّمة ج 1 ص 65 ح 182.
(10) . متعلّق ب «صدور الأشیاء».
جلد: 1، صفحه: 178
و أیضا: کما تدلّ الکلمات على المعانی العقلیّة، کذلک تدلّ أعیان الموجودات على موجدها، و أسمائه، و صفاته، و جمیع کمالاته الثابتة له بحسب ذاته و مراتبه.
و أیضا: کلّ منها موجودة بکلمة1 «کن» فأطلق الکلمة علیها إطلاق اسم السبب على المسبّب.
قوله: (بأحدیّة2 الطریق الأمم3).
متعلّق بقوله: (منزّل الحکم)، و الباء للسببیّة، أی بسبب اتحاد الطرق الموصلة إلى اللّه بالتوجّه، و الدعوة إلیه، و سلوک طریق یوجب تنوّر القلوب، نزّل الحکم و المعارف الیقینیّة على قلوب الکلم الربّانیّة، فإنّ اختلاف الطرق یوجب الغوایة و الضلال، قال عزّ من قائل وَ أَنَّ هٰذٰا صِرٰاطِی مُسْتَقِیماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاٰ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِکُمْ عَنْ سَبِیلِهِ4.
أو بمعنى5 «فی» أی منزّل الحکم على قلوب الکلم فی أحدیّة الطریق الأمم.
أو لتضمین التنزیل أو الإنزال معنى الإخبار، کقوله: «انزل القرآن بتحریم الربا، و بتحلیل البیع» أی أخبر به فالباء للصلة؛ أی مخبر الحکم على قلوب الکلم بأحدیّة الطریق الأمم.
أو للملابسة؛ أی منزّل الحکم ملتبّسا بأحدیّة الطریق الأمم، و الأمم - بفتح الهمزة - المستقیم.
________________________________________
(1) . قال أمیر المؤمنین علیه السّلام: «یقول لما أراد کونه: کن فیکون لا بصوت یقرع و لابنداء یسمع و إنّما کلامه سبحانه فعل منه أنشأه و مثّله، لم یکن من قبل ذلک کائنا». (نهج البلاغة الخطبة 184).
(2) . الباء إمّا للملابسة، على أن یکون الجار و المجرور صفة لمصدر محذوف، أی تنزیلا متلبّسا بأحدیّة الطریق أو حالا من الحکم أو القلوب أو الکلم.
و یمکن أن تکون الباء للسببیّة متعلّقا بالتنزیل؛ فإنّه مسبّب عن سلوک طریق التوحید و عن اتّصاف القلب بالجمعیّة الکمالیّة (جامى).
بأحدیّة، الباء بمعنى الظرفیّة متعلّق بالمنزل کقولهم: حججت بطریق الکوفة. و قد جاء الإنزال بمعنى الإظهار کقولهم: أنزل ببنی فلان سوء، و استعماله بعلى قرینة له.
(3) . الطریق الأمم: الصراط المستقیم، لأنّ الأمم القرب، و أقرب الطرق المستقیم.
(4) . الأنعام (6):153.
(5) . أی الباء بمعنى «فی».
جلد: 1، صفحه: 179
و أعلم: أنّ الطرق إلى اللّه أنّما تتکثّر بتکثّر السالکین و استعداداتهم المتکثّرة، کقوله تعالى: مٰا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّٰ هُوَ آخِذٌ بِنٰاصِیَتِهٰا إِنَّ رَبِّی عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِیمٍ1 و کقوله تعالى: لِکُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْکُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً2 و لهذا قیل: «الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق»3.
و کلّ منها فی الانتهاء إلى الربّ مستقیم، إلاّ أنّها لا توصف بالاستقامة الخاصّة التی أرید بقوله تعالى اِهْدِنَا اَلصِّرٰاطَ اَلْمُسْتَقِیمَ4 فاللاّم هنا للعهد، و المعهود طریق التوحید و دین الحقّ، الذی جمیع الأنبیاء و متابعیهم علیه، و به تتّحد طرقهم فیه، کما قال تعالى: قُلْ یٰا أَهْلَ اَلْکِتٰابِ تَعٰالَوْا إِلىٰ کَلِمَةٍ سَوٰاءٍ بَیْنَنٰا وَ بَیْنَکُمْ أَلاّٰ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللّٰهَ5 لا ما ذکر6 فی سورة هود علیه السّلام وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ...7 الآیة و إلاّ تکون طرق أهل الضلال أیضا موجبا لافاضة الحکم.
و بیان8 الحقّ للصراط المستقیم بقوله: صِرٰاطَ اَلَّذِینَ أَنْعَمْتَ عَلَیْهِمْ...9.
الآیة، یدلّ10 على ذلک، و لذلک صدّق اللاّحق منهم11 السابق، و ما وقع بینهم التخالف فی التوحید و لوازمه، و الاختلاف الواقع فی الشرائع لیس إلاّ فی الجزئیّات من الأحکام بحسب الأزمنة و لواحقها.
________________________________________
(1) . هود (11):56.
(2) . المائدة (5):48.
(3) . هذا الحدیث منسوب إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله. منهاج الطالبین ص 221، الأصول العشرة ص 31، نقد النصوص، ص 185، جامع الأسرار و منبع الأنوار ص 95، 8 و 121.
(4) . الفاتحة (1):4.
(5) . آل عمران (3):64.
(6) . أی المراد طریق التوحید دون الحقّ الذی جمیع الأنبیاء علیه، لا ما ذکر فی سورة هود.
(7) . هود (11):6.
(8) . مبتدأ.
(9) . الفاتحة (1):7.
(10) . خبر لقوله: «و بیان الحق».
(11) . أی من الأنبیاء.
جلد: 1، صفحه: 180
فأحدیّة الطریق عبارة عن استهلاک کثرة طرق السالکین من الأنبیاء و الأولیاء فی وحدة الصراط المستقیم المحمّدی، و شریعته المرضیّة عند اللّه، کقوله تعالى: وَ مَنْ یَبْتَغِ غَیْرَ اَلْإِسْلاٰمِ دِیناً فَلَنْ یُقْبَلَ مِنْهُ1 و إِنَّ اَلدِّینَ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلْإِسْلاٰمُ2 هذا بحسب اقتضاء الاسم الظاهر.
و أمّا بحسب الاسم الباطن، فطریقان جامعان للطرق الروحانیّة کلّها:
أحدهما: طریق العقول و النفوس المجرّدة، التی هی واسطة3 فی وصول الفیض الإلهیّ و التجلّی الرحمانیّ إلى قلوبنا.
و ثانیهما: طریق الوجه الخاصّ4 الذی هو لکلّ قلب، به یتوجّه5 إلى ربّه من
________________________________________
(1) . آل عمران (3):85.
(2) . آل عمران (3):19.
(3) . قال الشیخ الأجلّ فی الفتوحات فی الباب الثامن و التسعین و المائة فی الفصل الثانی عشر منه: «اللوح المحفوظ هو النفس الکلّیة، و هو الروح المنفوخ منه فی الصور المسوّاة بعد کمال تعدیلها.
اعلم أنّ هذا النفس هی اللوح المحفوظ، و هو أوّل موجود انبعاثی و أوّل موجود وجد عن سبب، و هو العقل الأوّل، و هو موجود عن الأمر الإلهیّ و السبب.
فله وجه خاص إلى اللّه عن ذلک الوجه قبل الوجود، و هو کلّ موجود فی العالم له ذلک الوجه، سواء کان لوجوده سبب مخلوق أو لم یکن، لما خلق اللّه العقل الأوّل، فلما طلب تحقیقه موضع آثر الکتابة فیه لکونه قلما، فانبعث من هذا الطلب اللوح المحفوظ و هو النفس؛ فلهذا کانت أوّل موجود انبعاثی، لما انبعث من الطلب القائم بالقلم و لم یکن فی القوة العقلیّة الاستقلال لوجود هذا النوع، فتأیّد بالاسم «الباعث» و هو الوجه الخاص الذی انبعث عنه النفس، فألقى العقل إلیها جمیع ما عنده إلى یوم القیامة» انتهى.
قال الشارح فی أوّل الفصّ الإدریسی (ص 78): «إنّ لکلّ نفس من النفوس فیضا خاصّا من حیث عینه الثابتة التی لا واسطة بینه و بین الحقّ، و فیضا عاما بواسطة العقل الأوّل و النفس الکلّیة، و باقی روحانیات الأفلاک السبعة من المدبّرات».
(4) . ما قال الشارح فی بیان طریق الوجه الخاصّ هو بعینه ما قال مؤید الدین فی شرحه للفصوص فی هذا المقام.
(5) . قال مولانا مؤیّد الدین: «حقیقة المربوب مرتبطة بحقیقة الربّ ارتباطا لا یقبل الانفکاک. و الارتباط على وجهین:
ارتباط من حیث الوجود العام، و ذلک فی طریق سلسلة الترتیب.
و ارتباط من حیث العین الثابتة، التی لکلّ موجود. -
جلد: 1، صفحه: 181
حیث عینه الثابتة، و یسمّى «طریق السرّ»1 و من هذا الطریق أخبر العارف الربانیّ2.
بقوله: «حدّثنی قلبی عن ربّی»3 و قال سیّد البشر صلّى اللّه علیه و آله: «لی مع اللّه وقت لا یسعنی فیه ملک مقرّب، و لا نبیّ مرسل»4 لکونه من الوجه الخاصّ الذی لا واسطة بینه و بین ربّه.
و لا شکّ فی أحدیّة الطریق الأوّل و کذا فی الثانی؛ إذ لا شکّ فی وحدة الفیّاض و فیضه، کما قال: وَ مٰا أَمْرُنٰا إِلاّٰ وٰاحِدَةٌ کَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ5 و تکثّر قوابل الفیض لا یقدح فی وحدة الطریق، کما لا یقدح تکثّر الشبابیک فی وحدة النور الداخل فیها.
و السالک على الطریق الأوّل هو الذی یقطع الحجب الظلمانیّة، و هی البرازخ الجسمانیّة، و النوریّة، - و هی الجواهر الروحانیّة - بکثرة الریاضات و المجاهدات، الموجبة لظهور المناسبات التی بینه و بین ما یصل إلیه من النفوس و العقول المجرّدة، إلى أن یصل إلى المبدأ الأوّل و علّة العلل، و قلّ من یصل من هذا الطریق إلى المقصد؛ لبعده، و کثرة عقباته و آفاته.
و السالک على الطریق الثانی و هو الطریق الأقرب، هو الذی یقطع الحجب بالجذبات الإلهیّة، و هذا السالک لا یعرف المنازل و المقامات إلاّ عند رجوعه من الحقّ إلى الخلق؛ لتنوّره بالنور الإلهیّ، و تحقّقه بالوجود الحقّانی، حینئذ فیحصل له العلم
________________________________________
- و التجلّیات الحاصلة للعبد من هذا الوجه ذاتیة إلهیّة، تقرب الأین، و تقرّب العین و ترفع من البین البین.
و من هذا الطریق تکون الجذبة لأهلها، و هو الطریق الأقرب الأمم، و الطریق الأوّل هو الطریق العام الذی فیه الحجب و العقبات و الوسائط التی أشار إلیها رسول اللّه (ص) بقوله: إنّ للّه سبعین ألف حجاب من نور و ظلمة لو کشفها لاحترقت سبحات وجهه ما أدرک بصره» بحار الأنوار ج 55 ص 45، مرصاد العباد ص 171.
فالحجب الظلمانیة مراتب عالم الأجسام و وسائطها و الحجب النورانیة مراتب عالم الأرواح النوریّة.
(1) . راجع مصباح الأنس (ص 6-11.)
(2) . العارف الربانی هو أمیر المؤمنین علیه السّلام على ما قاله الأستاذ الفاضل التونی (قدس سره).
(3) . آدرس حدیث؟
(4) . بحار الأنوار ج 18 ص 360.
(5) . القمر (55):50.
جلد: 1، صفحه: 182
من العلّة بالمعلول، و یکمل له الشهود بنوره فی مراتب الوجود، فیکون أکمل و أتمّ1من غیره فی العلم و الشهود.
و قوله: (من المقام الأقدم)2.
إشارة إلى المرتبة الأحدیّة الذاتیّة، التی هی منبع فیضان الأعیان و استعداداتها فی الحضرة العلمیّة3 أوّلا، و وجودها و کمالاتها فی الحضرة العینیّة4، بحسب عوالمها و أطوارها الروحانیّة و الجسمانیّة ثانیا.
و إنّما قال على صیغة أفعل التفضیل؛ لأنّ للقدم مراتب، و کلّها فی الوجود سواء،5 لکنّ العقل - بإسناد بعضها إلى البعض یجعل قدیما و أقدم، کترتّب بعض الأسماء على البعض؛ إذا الشیء لا یمکن أن یکون مریدا إلاّ بعد أن یکون عالما، و لا یمکن أن یکون عالما إلاّ بعد أن یکون حیّا و کذلک الصفات.
و جمیع الأسماء و الصفات مستندة إلى الذات، فلها المقام الأقدم من حیث المرتبة الأحدیّة، و إن کانت الأسماء و الصفات أیضا قدیمة.
قوله: (و إن اختلفت6 الملل7 و النحل لاختلاف الأمم).
للمبالغة8، و الملّة الدین، و النحلة المذهب و العقیدة؛ أی أصل طرق الأنبیاء
________________________________________
(1) . لأنّ علمه مأخوذ من برهان اللمّ.
(2) . المراد بالقدم هنا، القدم الرتبی. (الأستاذ الفاضل التونی ره).
فی ط: «من» ابتدائیّة. أی أنزل من حیث أقدم، و أعلى من أن ینسب إلیه القدم المقابل للحدوث بطریق هو أقرب و أدنى من أن یشار إلیه بالقرب المقابل للعبد.
(3) . أی بالفیض الأقدس.
(4) . أی بالفیض المقدّس.
(5) . إذ لیس هاهنا قدم زمانی.
(6) . إشارة إلى اعتراض و جوابه، کأنّه قیل: إن کان طریق نزول الحکم إلى قلوب الأنبیاء طریقا واحدا، فلم اختلفت أدیانهم؟ فأجیب بأنّه لاختلاف استعدادات الأمم اختلفت صور سلوک طریق التوجّه مع أنّ المقصود و المراد و حقیقة الطریق واحد، کالخطوط الواصلة بین المرکز و المحیط.
(7) . الملل: الأدیان المتعدّدة بتعدّد أصحاب الشرائع، و النحل المذاهب المتشعّبة من کلّ دین بتعدّد المجتهدین. (جامی).
(8) . أی کلمة «إن» وصلیة للمبالغة.
جلد: 1، صفحه: 183
واحد، و إن اختلفت أدیانهم و شرائعهم؛ لأجل اختلاف أممهم، و ذلک لأنّ أهل کلّ عصر یختصّ باستعداد کلّی خاصّ، یشمل استعدادات أفراد أهل ذلک العصر، و قابلیّة معیّنة کذلک1، و مزاج یناسب ذلک العصر، و النبیّ المبعوث إلیهم أنّما ینبعث بحسب قابلیّاتهم و استعداداتهم، فأختلفت شرائعهم باختلاف القوابل.
و ذلک لا یقدح فی وحدة أصل طرقهم، و هو الدعوة إلى اللّه و دین الحقّ، کما لا یقدح اختلاف المعجزات فی وحدة حقیقة المعجزة، و لذلک کانت معجزات کلّ من الأنبیاء علیهم السّلام بحسب ما هو غالبة على ذلک القوم، کما أتى موسى بما یبطل السحر؛ لغلبته علیهم، و عیسى علیه السّلام بإبراء الأکمه و الأبرص لمّا غلب على قومه الطبّ، و نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله بالقرآن الکریم - المعجز بفصاحته کلّ مفلق2 بلیغ و مصقع3 فصیح - لما کان الغالب على قومه التفاخر بالفصاحة و البلاغة.